الشوكاني
440
فتح القدير
إن كنا أمرناكم بعبادتنا أو رضينا ذلك منكم ( إن كنا عن عبادتكم لغافلين ) إن هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ، والقائل لهذا الكلام هم المعبودون . قالوا لمن عبدهم من المشركين : إنا كنا عن عبادتكم لنا لغافلين ، والمراد بالغفلة هنا : عدم الرضا بما فعله المشركون من العبادة لهم ، وفي هذا دليل على أن هؤلاء المعبودين غير الشياطين لأنهم يرضون بما فعله المشركون من عبادتهم ، ويمكن أن يكونوا من الشياطين ، ويحمل هذا الجحد منهم على أنهم لم يجبروهم على عبادتهم ولا أكرهوهم عليها ( هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ) أي في ذلك المكان وفي ذلك الموقف ، أو في ذلك الوقت على استعارة اسم الزمان للمكان تذوق كل نفس وتختبر جزاء ما أسلفت من العمل ، فمعنى ( تبلو ) تذوق وتختبر ، وقيل تعلم ، وقيل تتبع ، وهذا على قراءة من قرأ " تبلو " بالمثناة الفوقية بإسناد الفعل إلى كل نفس ، وأما على قراءة من قرأ " نبلو " بالنون ، فالمعنى : أن الله يبتلى كل نفس ويختبرها ، ويكون ما أسلفت بدلا من كل نفس . والمعنى : أنه يعاملها معاملة من يختبرها ويتفقد أحوالها . قوله وردوا إلى الله مولاهم الحق ) معطوف على ( زيلنا ) ، والضمير في ردوا عائد إلى الذين أشركوا : أي ردوا إلى جزائه ، وما أعد لهم من عقابه ، ومولاهم : ربهم ، والحق صفة له : أي الصادق الربوبية دون ما اتخذوه من المعبودات الباطلة ، وقرئ " الحق " بالنصب على المدح كقولهم الحمد لله أهل الحمد ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي ضاع وبطل ما كانوا يفترون من أن الآلهة التي لهم حقيقة بالعبادة لتشفع لهم إلى الله وتقربهم إليه . والحاصل أن هؤلاء المشركين يرجعون في ذلك المقام إلى الحق ، ويعترفون به ، ويقرون ببطلان ما كانوا يعبدونه ويجعلونه إلها ، ولكن حين لا ينفعهم ذلك . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( فاختلط به نبات الأرض ) قال : اختلط فنبت بالماء كل لون ( مما يأكل الناس ) كالحنطة والشعير ، وسائر حبوب الأرض والبقول والثمار ، وما تأكله الأنعام والبهائم من الحشيش والمراعي . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( وازينت ) قال : أنبتت وحسنت ، وفي قوله ( كأن لم تغن بالأمس ) قال : كأن لم تعش كأن لم تنعم . وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب وابن عباس ومروان بن الحكم أنهم كانوا يقرءون بعد قوله ( وظن أهلها أنهم قادرون عليها ) وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه كان يقرأ وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها ( كذلك نفصل الآيات ) . وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي مجلز قال : كان مكتوب في سورة يونس إلى حيث هذه الآية ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ) إلى ( يتفكرون ) ، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمني واديا ثالثا ، ولا يشبع نفس ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب ، فمحيت . وأخرج أبو نعيم والدمياطي في معجمه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله ( والله يدعوا إلى دار السلام ) يقول : يدعو إلى عمل الجنة . والله : السلام ، والجنة : داره . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ( ويهدي من يشاء ) قال : يهديهم للمخرج من الشبهات والفتن والضلالات . وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما من يوم طلعت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين : يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، ولا آبت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين : اللهم أعط منفقا خلفا ، وأعط ممسكا تلفا - والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى